الشيخ محمد آصف المحسني

31

حدود الشريعة

بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقاتِلُوكُمْ . . . « 1 » . أقول : الاستثناء في الآية الأخيرة بكلا فرديه غير راجع إلى اتّخاذ الوليّ والنصير ، بل إلى القتل ، كما يظهر من قبلها ومن قوله : مِيثاقٌ ، ومن قوله تعالى : فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا . وإنّما الكلام في استثناء الآية الأولى ، فنقول : إنّ قوله تعالى : أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ بدل اشتمال لقوله : عَنِ الَّذِينَ ، ومعنى الآية : إنّ اللّه لا ينهاكم عن برّ الكفّار الذين لم يقاتلوكم ، ولم يخرجوكم من دياركم ، ولا عن الإقساط معهم ؛ فإنّ العدالة في نفسها حسنة . وهذا ليس من الاستثناء في شيء ؛ إذ المحرّم هو اتّخاذ الكفّار أولياء ، وتولّيهم ، ومودّتهم ، وهذا ينطق بجواز البرّ والإحسان والعدل مع الكفّار غير المضرّين ، ولا ربط بين الأمرين . وقد مرّ منّا القول بجواز الإطعام وغيره للكافرين إذا كان بلا محبّة . قال أمين الإسلام الطبرسي في المجمع في ذيل الآية الشريفة المذكورة : والذي عليه الإجماع أن برّ الرجل من يشاء من أهل الحرب قرابة كان أو غير قرابة ليس بمحرّم ، وإنّما الخلاف في إعطائهم مال الزكاة والفطرة والكفّارات ، فلم يجوّزه أصحابنا ، وفيه خلاف بين الفقهآء ، انتهى يعني فقهاء غير الإماميّة . قال المحقّق في الشرائع : « ولو أوصى الذّميّ للراهب والقسّيس وغيرهما جاز ، كما تجوز الصدقة عليهم ، والهبة ، وغيرهما » . وعقّبه صاحب الجواهر بقوله : « بلا خلاف ولا إشكال ؛ للعموم » « 2 » . أقول : لكنّ قوله تعالى بعد ذلك : إِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ . . . يدلّ على أنّ المحرّم إنّما هو تولّي الكفّار المقاتلين للمسلمين ، المخرجين لهم من ديارهم ، وقضيّة الحصر المستفاد من كلمة إِنَّما عدم حرمة تولّي الكفّار غير المضرّين وإن كانوا متعصّبين لدينهم ، وبهذا الحصر يخصّص سائر الإطلاقات .

--> ( 1 ) . النساء ( 4 ) : 89 . ( 2 ) . جواهر الكلام ، ( كتاب الجهاد ) ، ص 659 . ( الطبعة القديمة ) .